الحُزنُ وأنا
قبل الحرب كان حزني خفيفاً متسعاً متفرّقاً، أحزنُ إذا انفرطت
إسوارةٌ من الخرز الملوّن، أو إذا انكسرَ بروش صغير
أضعه على جانب جاكيتي في لحظةٍ أحسّ أننّي أدللُ فيها
أناقتي، وأبكي إذا تمزقت لعبة قديمة لي مازلت أحتفظ
فيها لليوم، أو إذا اتسخَ بياضُ إحدى ملابسي ولم أستطع
إعادة اللون الأصلي له، ومرّة بكيت كثيراً حين مسّ رذاذ
الكلور ثيابي فتلفت، وبكيت مرّة حين ضاع منّي كتابٌ أهدته
لي صديقة بينما كنت أنتقل بين أكثر من مكان، وكنتُ قد
بكيت على صور مسحت من هاتفي المحمول إثر فايروس أتلف
الملفات، أتذكر مرّة أضعتُ خاتماً أحبه في إحدى أمسيات الشعر
في غزة وحين خروجنا رافقت صديقتي الشهيدة هبة أبو
ندى ونحن في المقهى اكتشفت أنني أضعته، فحزنت هبة
لحزني، قالت دعينا ننظر في الطريق الذي مشيناه مرة
أخرى، لقد مشينا الطريق كلّه مرّةً أخرى نبحث عنه
وهي تقول لي: لا أحبّ ضياع الأشياء التي أحبّها، هذا
الأمر يؤلمني، وكم يؤلمني أن أتذكر هذا الآن يا هبة !
حزني الذي لا أفسّره أحياناً، أحياناً أحزن
وأنا أستمع لأم كلثوم، أو لموسيقى سادية
مجرّدة من الكلمات، ومن هواءٍ يعبر فجأة من شقٍّ مفتوحٍ
في النافذة فيلفح قلبي، وأحزنُ إذا رأيتُ صورةً معلقة
وقد مالت وكساها الغبار، ومن رؤية وجه امرأةٍ حزينة
مغلوبٌ على أمرها، وأحزن من ذبول الشغف في العيون
الجميلة، ومن صراخ أبٍ على أولاده، أو إذا رأيت أمّاً
تضرب طفلها في الشارع، وأغرق في الحزن إذا مررت
على بائعة النعناع في آخر النهار ومازالت الشتلات أمامها
لم تنفذ، ويرعبني بكاء سائق وهو لا يعرف كيف يوفّر قسط الجامعة
لابنه، وأحزنُ إذا رأيتُ أحداً يتناول الطعام وحيداً، أو
إذا رأيتُ عجوزاً ينام على طرف الطريق، وأحياناً
أحزن إذا اكتشفت شِقّاً في المرآة أو إذا انقطع
حبل حقيبتي أو إذا ظهرت حبّةٌ في وجهي، أو إذا تغيّرَ
صوتي إثر لفحةِ برد، أظلّ أجرّبه طيلة اليوم لأتأكد
أنّ صداه وذبذباته تتحسّن، وإذا برد فنجان قهوتي
أوانكسر، وأحزنُ من سوء الظن ومن المغتابين ومن فتور
النُبل ومن تتبع العثرات والسوءات والكذب،
وإنّ أكثر ما يمكن أن يحزنني أن تجرحني اليد
.التي صافحتها بحبّ، وأن يتألمَ ظهري بسهم صديق
كنتُ أحزنُ لكلّ هذه التفاصيل، والحقيقة أنّ هذا الحزن
الآن أصبح ماضياً، ومجرّدَ ذكرى، كلّ حزنٍ
بعد هذه الإبادة المروّعة في غزّة هو ترف.
كل حزنٍ بعد قتل الكيان الصهيوني لأطفالي الأربعة هو هراء..
كان لديّ حزن خفيف متسع متفرّق، وأصبحَ الآن
لديّ حزنٌ واحد ثقيل قديم
أبديّ، حزني على إخوةٍ آثروا تصفيتنا وأغمضوا
عيونهم عن دمنا الحرّ الساخن الذي تحمله
الملائكة كل دقيقة وتُسبّح قطراته الله ليل نهار.