في السيارة..
أجلسُ في سيارةٍ يملؤها رائحة زيت القلي
المحترق، فمنذ أزمة السولار وأغلب السيارات تعمل على
زيت القلي أو غاز الطبخ.
يتوقف السائق ليقلَّ فتاةً تبدو
شاحبة الوجه. ما إنْ جلست بجانبي في المقعد الخلفيّ حتى
بدأت تنتحب.. يسألها السائق: " ما بكِ؟ " تجيبه أنّه وصلها
خبر استشهاد شقيقا الذي بقيَ في شمال غزّة، ولم ينزح
معهم إلى الجنوب. ثم يعلو صوتها المتقطع:" سيدفنون
أخي دون أن أراه"، يخبرها السائق أن تهدأ، وأنّه دفنَ
ابنهُ بيديه أثناء نزوحه، لكنها تواصل النحيب.
يجلس بجانب
السائق رجلان. المقعد الأمامي غالباً يجلس عليه شخصان بسبب
أزمة المواصلات لدينا.. الرجل النحيل في الوسط يقول للفتاة:
"هوّني على نفسك فقد استشهدت زوجتي بينما هي حامل في الشهر
التاسع.. رحلت هي وطفلي الأول".
بينما الرجل الذي كان يجاور
النافذة، وقد بدا على ملامحه كل أسى العالم، قال:" دفنت
عشرينَ فرداً من عائلتي.."، تواصل الفتاة نحيبها.. يرتفع
صوت بكائها. يعصر قلبي الحزن والألم. أهرب بعيوني
إلى النافذة، يؤلم شكل الزجاج عيوني، ثلاث طلقات محفورة
في زجاج النافذة، يبدو أنّ رصاصاً اخترقها.
شردت في تأمل
هذه التشققات بين كل طلقة وأخرى، وسألت نفسي كثيراً من
الأسئلة، هل هو رصاص أباتشي؟ أم رصاص كواد كابتر؟ أم رصاص
قنّاصٍ يعتلي إحدى أسطح المنازل العالية؟ وهل اخترقت
هذه الرصاصات جسد أحدٍ، أم كانت السيارة فارغة؟
حجبني
منظر الفتحات الثلاثة وتلك الأسئلة عن رؤية ما وراء
النافذة من آلام النازحين وخيامهم والركام المتناثر
،في كل مكان، وتمنيت لو شُلّت يد من أطلق هذه الرصاصات
أو لم تخترق هذه النافذة أصلاً، حتى انتبهت فجأة لعيون
السائق في المرآة ينظر لشرودي في النافذة، وقال لي:" هذه
الرصاصات اخترقت جسد ابني بينما كنّا ننزح من منطقة
الكرامة في غزّة.. يدرس في آخر سنةٍ في كليةِ الهندسة
والأول على دفعته. قتله قنّاصٌ بثلاث رصاصات.. دفنته
بجانب شجرة جميز على الطريق، وكل يوم أدعو
الله ألّا تكون الجرافات قد جرّفت قبره. أريد أن
أعود إلى غزّة كي أضمّ قبره حتى ولو لمرّةٍ واحدة ... !"