الرجُلُ السِتِّنيّ
يقول الخبر بأنّ الرجلَ الستينيّ كان يعبر
حاجز الاحتلال الذي يفصل شمال قطاع غزّة
عن جنوبه، حاملاً بعضَ الملابس وكيسَ قهوة.
توقّفتُ عند الكلمةِ الأخيرةْ..
يُهرّبُ الستينيّ القادم من شمالِ القطاع المحاصَر
.القهوة للجنوب المحاصر أيضاً ولكنْ بنسبةٍ أقل
تلك القهوة التي ذكر درويش في ذاكرة للنسيان بأنّه
كان يصنعها على مهل تحت أزيز طائرات الأباتشي في
بيروت، هي ذاتها القهوة التي يحمصّنها نساءُ غزّة على
النّار في خيام النّازحين إنْ وجدنها وهنَّ يُقلّبنها كما
يفعلُ صانع الذهب حين يعيد تشكيله داخل أفرانِ النّار، ولكن
لا يفعلن ذلك تحت أزيز الآباشي فحسب، بل على طول
البوارج التي تتمركز على طول شريط ساحل
قطاع غزة والدبابات التي تطوِّقُنا من جميع الجهات.
تخافُ إسرائيل من هذا المزاج
الغريب، يخاف الجنود من كيس القهوة
في يده المرتعشة، يخافون من كيس ملابسهِ التي
تنذرهم للموت وتنذره للحياة والتي يقرؤون عبرها:
"أنا خارجٌ من شمال قطاع غزّة الذي يعاني من مجاعة منذ أكثر من 170 يوماً وها أنا أحملُ ثيابي وكيساً من القهوة ! "
لقد قهرتَ إسرائيل أيّها الرجل.
قهرتَ الجنودَ المدجّجين بأحدث الأسلحة العسكريّة..
قهرتَ مجلسَ الأمن الذي تألمتْ يَدُ رافعِ الفيتو من أجلِ أن تتوقفَ عن صنع معجزاتك في تشكيل الحياة..
لذلك لم يكتفوا بقتلك، بل جَرّفوك
أيضاً وخلطوا جسدك بالحجارة
والرماد وبقايا الأسفلت المهشّم، لقد وزّعتْ الجرافة
دمّكَ بين التراب وربّما أزعجهم جسدك فداسته دبابةٌ
لتتخفف من نبوءةِ حاخامات إسرائيل بنهايتها.
نعم لكنني أتساءل عن كيس القهوة الذي
جرّفوه معك، لقد خلطوه في دمك
ولحمك المفروم على الطريق، إلا أنّه
ظلَّ يفوح عالياً، لقد
كانوا طيلة الوقت يحاولون إخفاء
رائحة كيس القهوة، كيس القهوة ذاك
الذي ينتصرُ على الميركافا والأباتشي دائماً.