كنتُ..
ما أكلت إلا أحسن الطعام وأطيبه، وما دخلت
إلا أرقى المطاعم، وما نمت إلا على
الفراش الوثير، وما لبست إلا أغلى الثياب
وأجملها، وما ركبت إلا أحدث السيارات، وكنت إذا
سافرت أُهرب للأصدقاء قهوة غزة وحلوياتها فلا
أشهى منها في العالم بأسره، كنت أتمنى
لو يستطيعون زيارة غزة ليشاهدوا شاطئها
الخلاب، ومطاعمها الراقية، وبنيانها الجميل
وغنى أهلها بعزة نفوسهم قبل كل شيء،
غزة التي أقدّمها على اسمي أينما ذهبت.
اليوم لا أجد إلا أردأ الطعام
لأتناوله إلا أنني فقدت
شهيتي أصلا للأكل، المعلبات التي كنت
أضعها للقطط أصبحت أتناولها برحابة صدر.
أنام ولا أعرف إن كان فوقي سقف أم لا، ولا أتحسس الفراش هل وضعوه فوق حصير أم على التراب
ولم أعد أنتبه إذا هربتُ في القصف المفاجئ بثياب
الصلاة العادية، ومرات كثيرة كنت أنسى انتعال
حذائي ومرات أخرى لبست فردة ونسيت أخرى.
ثياب الصلاة تلك التي أنام بها طيلة الليل خشية
أن نتعرض لقصف مفاجئ فلا ينكشف جسدي كمعظم نساء
غزة على مدار ١٧٣ يوما من الإبادة الجماعية،
ولم أعد أجد سيارة رديئة حتى
لأركبها إنني أركب غالبا عربة تجرها الدواب
ولم أعد أنتبه للماء إن كان طعمه حلو أو مالح،
ولم أعد أدقق كثيرا في قراءة أماكن صنع هذه المعلبات
التي يرسلونها لنا كطعام، وأنا التي إذا
اشتريت أي شيء اقرأ أين تمت صناعته لأطمئن لجودته.
لقد تساوت جميع الأشياء في عيني
وفي غمرة كل هذا أنا بنت هذه الأرض
ومخيمها وترابها وبحرها وشهدائها، فأنا
بنت غزة مهما فعل الاحتلال، ومهما سيفعل.
الحمدلله الذي نزع الدنيا من قلبي، حتى دستها بقدمي..