الزنَّانة
لا أعرف ماذا تفعل صوت الزنانة بي، لكنها تنبش في كل شيء.
إنّ يدها
طويلة تستطيع فتح أدراج ذاكرتي التي غطيتها
بأكوام كثيرة من الملفات التالفة والكتب. إنَّها
تنبش اتجاه الريح فتفسد إحساسي بنسمة هواء شاردة
بين صاروخ ومجنزرة. وإنَّها تُفسد لحناً يغنيه ذلك
المجذوب لفريد الأطرش في الشارع وهو يدندن: " جمعتلك
دموع قلبي وبرمش العين كتبتلك ". لكنّها لا تستطيع
أن تُفسد رائحة البنّ المحمّص على مواقد النار.. ولا
تستطيع أن تُفسد سيجارة أبو مجدي وهو يشعلها
متناسيا إياها.. ولا تستطيع إفساد نوبة طويلة من
الحزن، وكرنفالا كبيرا من الدموع. كذلك لا تستطيع
إفساد صلاة سريعة للجنازة في الشارع بين سيارتي
إسعاف.. ولا تلاوة " يَسٍ " كاملة يقرؤها حبيب لحبيبه في
أول ليلة له في قبره بثبات بينما تحلق فوق رأسه
تماما. تُفسد علينا الكثير من اللحظات الجميلة
ولكننا نفسد عليها ما هو أعظم وهو خوفنا منها.