رصاصُ الآباشي وزخَّاتُ المطر
طلع الصباح من بين أزيز رصاص الأباتشي
الذي لم يتوقف منذ ساعات الليل المتأخرة. لقد بدأت
تفتح رشّاشها الثقيل كل ليلة فوقنا حتى بزوغ الشمس،
ورغم ذلك الصوت المتعاقب للرصاص الكثيف أسمعُ صوت
المقرئ المصري ( مصطفى إسماعيل) من أين لا أعرف، لكنه
أرهفَ سمعي كثيراً. أخبرني أحد المشايخ أن صوت مصطفى
إسماعيل وهو يقرأ القرآن ( فتح ربّاني)، وحين استمعت
له أول مرّة شعرت بأنّه يجعلك في حالة روحانية
عميقة حقّاً، بحيث تكاد تبصر روحك وهي تشفّ مع
الكلمات القرآنية الطافحة بالجمال والجلال.
ينزلُ المطر، ولا يتوقف
الرصاص، بينما صوت مصطفى إسماعيل مازال يتروحن
في خلايا الجسد وفوق الخيام وبين الركام وفي قلوب
المكلومين، وكأنّه صراعٌ بين الحقّ والباطل، بين صاحب
الأرض والمحتلّ، حتّى الطبيعة تؤازر صراعنا، وكأنّ
المطر يمدّنا بمدد الرحمة الإلهية.
في أول الصبح
يخفت الرصاص، ويشتدّ المطر
وصوت مصطفى إسماعيل على حاله، يأخذك إلى محرابٍ
.في السماء وخلوةٍ لقلبك مع الله عزّ وجلّ في ملكوته
لا يفهم العدوّ هذه الحالة، لذلك
لم يستطع حلّ هذه الشيفرة منذ أكثر من ستة وسبعين
عاماً. يقتلنا فنعودُ من جديد.. يتنطع علينا وهو يقول
الكبار يموتون والصغار ينسون، فيخرج له أحفاد الأحفاد
أكثر ثباتا وقوّة واستماتةً في الدفاع عن الأرض والعِرض،
مثل هذا المطر الشجيّ ومثل رسائل الله عزوجلّ وهي
تستقرّ في القلب كلّما تجلّى صوت إسماعيل مصطفى على
المخيم وهو يقرأ " اصبر لحكم ربّك، فإنّك بأعيننا "
لم يفهم العدوّ ومن والاه سوى كذبة صموئيل
هرتزل في الأرض الموعودة وسوى خرافة بلفور الخبيث،
لقد صدّق الكهنة والملاعين والمجرمين وكذّب الله عزّ وجلّ
ونحن الفلسطينيين كذّبنا الكهنة
والمنافقين والمتخاذلين وصدّقنا الله عزّ وجلّ.
يخفت الرصاص أكثر
ويشتدّ المطر ..
وبينما يشتدّ أحاول مراوغة صوتٍ ينزف في داخلي وهو يقول:
" يبدأ الآن شتاءٌ آخرُ على الحرب .."