







اسمهُ " يامن " ومعناهُ عند العرب: "الرَّجُلُ المُباركُ في قومه".
وُلد في غزَّة في الخامس عشر من نوفمبر عام ألفين وخمسة عشر. كان عمرُهُ ثمان سنواتٍ عندما
حاصرهُ الاحتلال مع اخوتهِ، وقصفَ عليهم المنزل وقضوا جميعاً تحت الرُّكام.
كان يامن طفلاً وسيماً ذو شعرٍ ذهبيّ وعينينِ زرقاوين، وكان فيه من الطيبةِ واللُّطف ما لا يتصوَّرُهُ العقل
ًومن شدَّةِ حنانهِ على أُمِّهِ كان يحضُنُها طِوَالَ الوقت وكأنه على علمٍ بأنَّهُ سيفارقها قريبا.
كان يامن طفلاً ذكياً وكان نجيبا ومجتهدا في دروسه.
كانت أمه تلتمس فيه البرَّ والصلاح وترى فيه رجلاً يحبُ الخير للآخرين أكثرَ من نفسه، لكن
أيادي الغدر اغتالته صغيرا.
رحم اللَّه الطفل الشَّهيد يامن، وجعله من الولدان المُخلَّدين في الجنَّة رُفقةَ سيِّدنا ابراهيم عليه السَّلام، ورحمَ إخوتهُ وكُلَّ أطفالِ غزَّة.
إسمُها " أوركيـدا "، وتعني الزهرةُ البيضاء، وهي
أقدمُ وأجملُ الزُّهورِ في العالم. وُلدت في السَّابعِ والعشرين
من شهرِ يوليو تمُّوز عامَ ألفين وسبعة
عشر مع أخيها التوأم " كنان ".
كانت أوركيدا شديدة الذَّكاء
وكان يُفترض أن تُصبح طبيبةً لو لم
يغتلها الكيان. كانت تحبُ الرَّسم والرَّقص وتنسيق
الألوان والمكياج والجمباز. كانت تمتلكُ جسدا
طيِِّعاً يُمَكِّنُها من التأرجحِ والتشقلُبِ بطريقةٍ عجيبة.
أسكت الاحتلالُ قلبهاالصغير وهي في السَادسة من عمرها بعدما حاصروها
مع اخوتها وقصفوا عليهم المنزل في خان يونس.
رحم الله الطفلة الشَّهيدة أُوركِيــدَا، ورحم إخوتها، وجعلها عصفورة من عصافير الجَنَّة
اسمها " كرمل " نسبة لجبلٍ يقع في جنوبِ مدينة حيفا في فلسطين، ومعناه
الحديقة الربانية أو " جنةُ اللّه ". وُلدت في السَّادس عشر من مايو
آيار من عام ألفين وواحد وعشرين تحت قصفٍ شديدٍ أثناء إحدى الحُروبِ على غزَّة.
كانت كرمل طفلة رائعة تحبُ كثيراً ترتيل التسابِيحِ مع
أمِّها أثناء صلاتها، وكانت تُعين أمَّها في العبادة
حيث كانت تُناولها تسبيحتها عقب كُلِّ صلاة.
اغتالها الاحتلال المجرم مع اخوتها
واسكتوا قلبها الصغير الذي نبض لمدة ثلاث سنوات فقط، ولكن الاحتلال
لا يعلم أن قلب كرمل كان ينبضُ على تلك الأرض منذُ الأزل وسيضلُّ نابضاً للأبد.
رحم اللَّهُ الطفلة الشَّهيدة كرمل، وجعلها من الولدان المُخلّدين وأسكنها فسيح فردوسه مع اخوتها ومع كل الأطفال الذين قضوا في هذه الحرب.
اسمهُ " كنان " ومعناه في اللُّغة العربية الوقاءُ والسِّتر. وُلد في غزَّة في السابع والعشرين
من شهر يوليو تمُّوز عام ألفين وسبعة عشر مع أخته التوأم أوركيدا.
لم يتمدرس كنان سوى شهرا واحدا من السنة الابتدائية قبل أن تندلع حرب الإبادة.
كان كنان ذو عينين صغيرتين ولكنه يرى الأشياء على كبرها وحقيقتها رغم صغره.
كان خطُّهُ جميلاً جداً، وكانت أدواتُهُ المدرسية دوما مُرتَّبة، وكان لطيفا مع أخواته وأخيه الأكبر.
لم يتسنى لكنان الإحتفال بنهاية عامه الدراسي الأوَّل بعدما
حاصره الاحتلال مع أخيه وأخواته، وقصف عليهم المنزل وقضوا تحت الركام.
رحم الله الطفل الشَّهيد كنان، وجعله من الولدان المخلَّدين في الجنَّة وعصفورا من عصافيرها وجعله رفيقاً لسيِّدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، ورحم إخوتهُ وكُلَّ أطفالِ غزَّة.

آلاء نعيم علي القطراوي كاتبة وشاعرة فلسطينية ولدت في غزَّة فلسطين
في الثالث من نوفمبر تشرين الثاني من عام ألف وتسعمائة
وتسعين من أبوين فلسطينيين.
دخلت المدرسة الابتدائية
ثم التوجيهي وبعدها الثانوي أين تحصلت على شهادة
الثانوية العامة في الأدب عام 2008م حيث التحقت
بعدها بمعهد اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بغزة، وزاولت دراساتها
بكل جدِّية واستحقاق وتحصلت
على شهادة البكالوريوس
ثمَّ الماجستير والدكتوراه في الأدب والنقد بامتياز.
اشتغلت الدكتورة آلاء كمعلمة في مدارس
(الأنروا)
تدرس
اللُّغة العربيَّة، وكانت تحفزُّ الطلاب على
التفوُّق، حيث كانت تقوم بإعداد مواد تعليمية متنوعة
تساهم من خلالها تعزيز فهم اللُّغة العربيَّة بشكلٍ ممتعٍ وفعال.
واشتغلت أيضا كمدققِّة لغوية
للنصوص التعليمية، وتحويل المناهج إلى قصص
كرتونية في قناة الأنروا. وكانت تكتب سيناريوهات
تساهم بها في تعزيز المحتوى التربوي المُوجَّه للأطفال.
كان للدكتورة آلاء القطراوي حظٌّ كبير للعمل في المجال الصُحُفي والإذاعي، حيث
اشتغلت كمذيعة ومقدِّمة برامج في إذاعة التعليم التابعة
لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكانت تُقدم برامج حوارية
مع الشعراء بعنوان " على فرات الشعر"، وأيضا كمذيعة
في إذاعة الجامعة الإسلاميَّة في برنامج "حديثُ الرُّوح".
شاركت الشاعرة آلاء في العديد من المحافل
الشعريَّة داخل وخارج الوطن، وتحصلت على العديد من المراكز الأولى، ومن أبرزها
جائزة فلسطين للإبداع الشَّبابي، والوسام الذَّهبي في أفضل مجموعة شعريَّة عام
2011م. وتوَّجت مسيرتها الأدبيَّة والشعريَّة بجدارة، وحملت بلدها فلسطين عاليا
في جائزة أفضل ديوان شعر للشُّعراء الشَّباب الصادرة عن مؤسسة عبد العزيز
سعود البابطين في دورتها الثَّامنة عشر عن ديوان "ساقية تحاول الغناء".
كما منحتها مؤخرا دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع جائزة سعاد الصباح للإبداع الفلسطيني لعام 2025 لفوز ديوانها الشعري بعنوان
" خيمة في السماء". يعد هذا الديوان كوثيقة وجدانية على المجازر التي
حدثت في غزة أثناء حرب الإبادة التي شنتها اسرائيل على الغزويين.
ألَّفت آلاء دواوين شعريَّة أخرى
منها ديوان بعنوان "حين يرتجف الهواء" الصادر عن رابطة
الكُتَّاب والأُدباء الفلسطينيِّين، وديوان
بعنوان " العصافير تسرقُ خبزي"، الصادر عن دار موزاييك للنشر والتوزيع، كما أنَّ لها كتابا في معرض
القاهرة الدولي للكتاب بعنوان من "المسافة صفر- رسائل تحت الحرب".
احترفت آلاء الكتابة الشعريَّة منذ نعومة أظافرها، وصقلت مواهبها مبكرا، وساعدها
بعد ذلك تخصُصها
في آداب اللغة العربية لكي يكون لها بصمة في الإبداع الفلسطيني، فكتبت
القصيدة والخاطرة والمسرحيَّة والقصة، وتحصلت على جوائز عديدة من خلال أعمالها.
إنَّ وُجود الكاتبة والشاعرة الموهُوبة آلاء في وطنٍ محتل جعلها تعبِّر بقصائد
شعريَّة ومقالات أدبية عن همُومِ شعبها وقضية وطنها لتحلق في فضائه ولتبرز مدى انبعاث
جذوره من باطن أرضٍ يخرج منها ما يقتات به الجسد وتسمو به الروح.
عانت آلاء الكثير من
الإحباطات جرَّاء ما تتعرَّض له فلسطين يوميا من حربٍ ودمار.
في وقت مضى
حُرمت من المشاركة في برنامج "أمير الشعراء"، الذي يُذاع على القناة العربية
"أم بي سي" في أبو ضبي، ويُعدُّ هذا البرنامج من أحد أهمِّ البرامج التلفزيونية
في العالم العربي حيث يهدف إلى استعادة روائع الشعر والأدب ،
واحياء الموروث الثقافي العربي، وتحفيز الحراك في مشهد الشعر العربي
المعاصر، غير أنَّ الاحتلال وقف حاجزا في طريقها ومنعها من المرور عبر معبر
رفح الذي يشكل كابوسا يطارد أحلام الكثيرين من المبدعين الفلسطينيين الشباب. هذا
المعبر الذي يُعتبر بمثابة بوَّابة مُحكَمة الإغلاق لسجنٍ كبيرٍ يسمَّى غزَّة.
بعد منعها من السفر حاولت الشاعرة آلاء القطراوي أن تشارك
عبر الإنترنت من خلال برنامج سكايب إلا أن قناة "أم بي سي" رفضت، ما جعلها
تشعُرُ بقهرٍ شديدٍ عبَّرت عنهُ بقولها:" لأوَّل مرَّةٍ أشعرُ كيف أن الفلسطيني يفقد
كُلَّ شيء في لحظةٍ قصيرةٍ جداً.. لا لشيء عدا أنه فلسطينيّ، وكيف يفقدُ الطالب مِنحته
ُالدراسية خلف أبواب المعبر، وكيف يموت المريض متوجعاً على بابه، وكيف ينزف
الشُعراء مُثَخَّنين بقصائِدِهم خلف أسواره البغيضة". وجَّهت آلاء ردَّها إلى إدارة
المُسابقة قائلةً:" كان عليكم أن تتعاطفوا مع شُعراء غزَّة المتأهلين، وأن تمنحُوهُم هذه
الفرصة ليُقَدِّموا أشعارهم وأصواتهم أمام لجنة التحكيم، فإنَّ هنا ما يستحق
أن يُسمع بعيداً عن الرُّكام، وقريباً من وردةٍ نبتت تحت القنابل".
آخر ما عانتهُ الشَّاعرة الموهُوبة آلاء نعيم القطراوي هو فُقدانُها
أبنائها الأربعة "يامن"، "أوركيدا"، "كرمل" و"كنان"، بعدما حاصرهُم الاحتلال في خان يُونس
ومنعهم من الخروج، ثمَّ قصف عليهم المنزل في شهر ديسمبر كانون الأول من عام
ألفين وثلاثة وعشرين أثناء الحرب القذرة التي شنَّها الاحتلال البغي
عقب أحداث السَّابعِ من أكتوبر تشرين الأول من نفس العام.
بكت آلاء أبنائها بحرقة، وتألَّمت كثيراً، وتألَّم العالمُ معها، لكنَّها
بفضل الله وبفضل إيمانها بقيت صامدةً وقوية
وعازمة على إكمال مُهمَّتها ومعركتها بالقلم والصوت والصورة عبر المواقع ومنصات
التَّواصل الاجتماعي. وقد صدر لها ديوانين بعد هذه
الفاجعة التي ألمَّت بها، وهما: ديوان "خيمة في السماء"، والذي
فازت من خلاله بجائزة سعاد الصباح للإبداع الفلسطيني لعام 2025،
وديوان "فراشتي التي لا تموت" الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات
والنشر ببيروت. كما صدر لها العديد من المقالات والقصائد
مُحاولةً من خلالها التَّعبير عن آلامها وعن آلام
العديد من الأمَّهات الفلسطينيَّات اللَّواتي فقدن فلذات أكبادهن.

د. آلاء نعيم القطراوي